ثمّة ارتياح حذر يسود بعض الأوساط العربية، ولا سيما في دول مجلس التعاون، إثر إعلان فوز المرشح الإصلاحي الشيخ حسن روحاني بالرئاسة الإيرانية.

ولعل الارتياح العربي مردّه إلى الرغبة العربية في قلب صفحة الجفاء والتوتر مع الجمهورية الإيرانية، والعمل على استعادة أجواء حُسن الجوار، والتعاون لما فيه خدمة شعوب المنطقة، وتعزيز أحوال الأمن والاستقرار في دولها.

ولم يعد خافياً، أن سياسة الرئيس المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد والفريق المتشدد في الحرس الثوري، قد أطاحا بمقومات العلاقات الطبيعية مع الجارات الخليجيات، ومع معظم الدول العربية، وأدخلت المبادرات العربية المتلاحقة، وخاصة المبادرات السعودية المتعددة في حلقة مُفرغة من المناورات، بهدف كسب الوقت، وتغطية خطة الاختراق الإيراني للجبهات الداخلية، في أكثر من بلد عربي!

ولا شك أن الواقع المتردي للعلاقات الإيرانية مع الدول العربية، يُشكّل أحد أبرز التحديات التي ستواجه الرئيس الإيراني الجديد، إلى جانب، طبعاً، تحديات الأزمات الاقتصادية والمعيشية الداخلية، ومأزق التفاوض مع الغرب حول الملف النووي، والتي تتطلب كلها تحركاً جدياً وسريعاً، لإخراج إيران من العزلة الإقليمية والدولية التي أحاطت نفسها بها، وما يعني ذلك من توفير خيارات وتسهيلات تساعد على معالجة المشاكل الاقتصادية والداخلية الخانقة.

لقد جرّبت إيران محمود نجاد أسلوب التحدّي والاستعداء للجار الخليجي، وللدول العربية، واستعاضت عن سياسة حسن الجوار، والعلاقات الطبيعية والفاعلة مع المجموعة العربية، بأساليب دعم بؤر توتر داخلية، على خلفية مذهبية، غريبة عن الجسم العربي، سعياً لطموحات سياسية، أطلقت الجموح الامبراطوري من عقاله، على إيقاع سقوط النظام الصدّامي في العراق بالضربة القاضية الأميركية. الأمر الذي أنعش آمال طهران بتحقيق الهلال الإيراني عبر الأردن وسوريا ولبنان، وصولاً إلى البحر المتوسط.

بالمقابل، حافظت الدول العربية، وخاصة الخليجية، على سياسة النوايا الحسنة، والالتزام بالضرورات الأمنية والاستراتيجية في المنطقة.

وكان ثمة رفض خليجي وعربي واضح وحاسم، في استخدام القوة من قبل الدول الغربية، أو أي دولة أخرى، لحسم الملف النووي الإيراني. كما أبلغت دول مجلس التعاون الخليجي عواصم القرار الغربي قرارها الحاسم، برفض استخدام أراضيها أو أجوائها، أو حتى مياهها الإقليمية، في أية ضربة عسكرية غربية للمنشآت النووية الإيرانية.

وفي إطار الحرص على أمن واستقرار منطقة الخليج، دعت دول مجلس التعاون الجارة الإيرانية، لتقديم الضمانات والتعهدات اللازمة لتأكيد سلمية البرنامج النووي، وإخضاعه لمراقبة ومعاهدات منظمة التعاون النووي الدولية.

وحاولت المبادرات المتكررة، التي أطلقها الملك عبدالله بن عبدالعزيز تجاه الرئيس محمود أحمدي نجاد شخصياً، أن تتجاوز العُقد الروتينية، والحساسيات المعهودة، وذلك عبر عقد أكثر من قمّة، واعتماد أسلوب الوفود الرفيعة بين البلدين، ولكن كل تلك الجهود ذهبت سدى أمام الجموح الإيراني المفرط في الهيمنة على مقدرات الإقليم.

رب قائل أن خطة التصدّي العربي لم تكن بمستوى تحديات الجموح الإيراني الذي حقق اختراقات عدّة في الجسم العربي، بلغت ذروتها في العراق وسوريا ولبنان، ولكن القرار العربي بقي رافضاً للتدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية، بكل أشكاله، متخذاً العديد من التدابير والإجراءات التي بقيت في إطار المواقع الدفاعية، حتى بالنسبة للأزمة السورية، حيث لم تصل إلى حدّ القيام بهجوم مضاد على الاختراق الإيراني.

فهل تشهد رئاسة روحاني نهاية لمرحلة التوتر الإيراني - العربي؟

من السابق لأوانه التكهن بتوجهات الرئيس الإيراني الجديد الفعلية، على اعتبار أن ثمة مسافة تفصل دائماً بين الخطاب الانتخابي والخطاب الرئاسي، على خلفية أن القدس من فوق غير القدس من تحت، إلا أنّ ذلك لا يمنع من التوقف عند مفاصل رئيسية في خطاب روحاني السياسي، ونظرته إلى العلاقات مع الدول العربية.

{{ سأنتهج سياسة مصالحة وسلام، وسنتصالح مع العالم.

{{ لن نسمح بمتابعة سياسة السنوات الماضية، التي جلبت العقوبات الاقتصادية على البلاد.

{ الأولوية القصوى لتحسين العلاقات مع دول الجوار على جميع المستويات. وأعتزم تحويل الخصومة مع المملكة العربية السعودية التي تفاقمت في الفترة الأخيرة للأسف، إلى احترام متبادل، وتدابير تصبّ في مصلحة الطرفين والتعاون بين البلدين لتعزيز الأمن، واستعادة الاستقرار في المنطقة.

{{ ما يحدث في سوريا هو مأساة إنسانية بكل المقاييس، وعلى الجميع أن يبذلوا قصارى جهدهم لوضع حدّ لهذه المهزلة.

{{ البحرين مهمة بالنسبة لنا. ونعتقد أن الاستقلال السياسي والوحدة الوطنية والأمن في البحرين تمثل عوامل مهمة لاستقرار وأمن المنطقة.

ليس سهلاً على رئيس الاعتدال والإصلاح حسن روحاني الإبحار بالسفينة الإيرانية في اتجاه معاكس لما سارت عليه طوال السنوات الثماني الماضية، خاصة وأن موازين قوى السلطة ليست إلى جانبه حالياً، في حال استمرار خيار المواجهة والتشدّد الذي يقوده المرشد الإمام الخامنئي، في معالجة ملفات الإقليم الشائكة.

ولكن إقبال الإيرانيين على صناديق الاقتراع بنسبة زادت عن 72 بالمئة والتصويت للمرشح الاصلاحي بنسبة فاقت الخمسين بالمئة، وفوزه بالدورة الأولى على منافسيه من الفريق المتشدد، تعتبر بمثابة استفتاء شعبي يجسّد إرادة الايرانيين وتوقهم إلى تغيير سياسات المرحلة السابقة، وطي صفحة العداوات والعقوبات التي أرهقت الشعب الإيراني.

وبانتظار تسلّم الشيخ حسن روحاني صلاحياته الدستورية، لا يسعنا إلا أن نضم صوتنا إلى أصوات الملايين من الإيرانيين: رئيس الانفتاح والاعتدال: خوش أماديد!